السيد محمد باقر الصدر

240

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الحاجة إلى الأيدي العاملة بعد صنع المقدار المطلوب من الآلات الأكثر كفاية . وقد أضاف ماركس إلى ذلك ظاهرة أخرى تنجم عن إحلال الآلات محلّ العمل ، وهي إمكان إشغال أيّ إنسان سوي في عمليّة الإنتاج الآلي حتّى النساء والأطفال دون حاجة إلى خبرة سابقة . وبهذا يستبدل العمّال الماهرون بغيرهم بأجور أرخص ، وتهبط قدرة العمّال على المساومة في الأجور ، وبالتالي يزداد البؤس ويتفاقم يوماً بعد يوم . وحينما وجد الماركسيّون - بعد ماركس - أنّ البؤس في المجتمعات الرأسماليّة والاوروبيّة والأمريكيّة لا ينمو ولا يشتدّ وفقاً لقانون ماركس اضطرّوا إلى تأويل القانون ، فزعموا أنّ البؤس النسبي في تزايد ، وإن كانت حالة العمّال - إذا اخذت بصورة منعزلة عن حالة الرأسماليّين - تتحسّن على مرّ الزمن بسبب شتّى المؤثّرات والعوامل ، وفي هذا نجد مثالًا من عدّة أمثلة بيّنّاها خلال دراستنا لخلط الماركسيّة بين قوانين الاقتصاد والحقائق الاجتماعيّة ، والدمج بينهما بطريقة تؤدّي إلى نتائج خاطئة ؛ بسبب إصرار الماركسيّة على تفسير المجتمع كلّه في ضوء الظواهر الاقتصاديّة . ولنفترض مثلًا : أنّ الحالة النسبيّة للعمّال تتردّى على مرّ الزمن - أي حالتهم بالنسبة إلى الرأسماليّين - ولكنّها من ناحية أخرى بما هي حالة منظوراً إليها بصورة مستقلّة تتحسّن وتزداد رخاءً وسعة ، فمن حقّ الماركسيّة - إذا صحّ هذا - أن تعبّر عن هذه الظاهرة تعبيراً اقتصاديّاً محدّداً ، ولكن ليس من حقّها أن تعبّر عنها تعبيراً اجتماعيّاً فتعلن عن ضرورة تزايد البؤس في المجتمع ، فإنّ تردّي الحالة النسبيّة لا يعني بؤساً ما دامت تتحسّن بصورة مستقلّة ، وإنّما اضطرّت الماركسيّة إلى هذا التعبير بالذات لتصل عن طريق ذلك إلى استكشاف القوّة الحتميّة الدافعة إلى الثورة ، وهي البؤس المتعاظم باستمرار . ولم تكن الماركسيّة لتصل إلى هذا الكشف لو لم تستعر للظواهر الاقتصاديّة أسماء